عبد القاهر الجرجاني

296

دلائل الإعجاز في علم المعاني

شيء ، إنما يقع في النفس أنّه " نسق " ، إذا اعتبرنا ما توخّي من معاني النحو في معانيها ، فأمّا مع ترك اعتبار ذلك ، فلا يقع ولا يتصوّر بحال . أفلا ترى أنك لو فرضت في قوله : [ من الطويل ] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل " 1 " أن لا يكون " نبك " جوابا للأمر ، ولا يكون معدّى " بمن " إلى " ذكرى " ، ولا يكون " ذكرى " مضافة إلى " حبيب " ، ولا يكون " منزل " معطوفا بالواو على " حبيب " لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون " نسقا " ؟ ذاك لأنه إنما يكون تقديم الشيء على الشيء نسقا وترتيبا ، إذا كان ذلك التقديم قد كان لموجب أوجب ن يقدّم هذا ويؤخّر ذاك ، فأمّا أن يكون مع عدم الموجب نسقا ، فمحال ، لأنه لو كان يكون تقديم اللفظ على اللفظ من غير أن يكون له موجب " نسقا " ، لكان ينبغي أن يكون توالي الألفاظ في النّطق على أي وجه كان " نسقا " ، حتى إنّك لو قلت : " نبك قفا حبيب ذكرى من " ، لم تكن قد أعدمته النسق والنظم ، وإنما أعدمته الوزن فقط . وقد تقدّم هذا فيما مضى ، ولكنّا أعدناه هاهنا ، لأن الذي أخذنا فيه من إسلام القوم أنفسهم إلى التقليد ، اقتضى إعادته . واعلم أن " الاحتذاء " عند الشعراء وأهل العلم بالشّعر وتقديره وتمييزه ، أن يبتدئ الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا - و " الأسلوب " الضّرب من النّظم والطريقة فيه فيعمد شاعر آخر إلى ذلك " الأسلوب " فيجيء به في شعره ، فيشبّه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها ، فيقال : " قد احتذى على مثاله " ، وذلك مثل أنّ الفرزدق قال : [ من الطويل ] أترجو ربيع أن تجيء صغارها * بخير ، وقد أعيا ربيعا كبارها " 2 " واحتذاه البعيث فقال : [ من الطويل ] أترجو كليب أن يجيء حديثها * بخير ، وقد أعيا كليبا قديمها " 3 "

--> ( 1 ) البيت سبق في أكثر من موضع وسبق تخريجه ، راجع ص ( 236 ) هامش رقم ( 1 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 1 / 272 ) ط ، دار صادر ، بيروت ، من ثلاث أبيات هو أولها في هجاء بني ربيع ابن الحارث رهط مرة بن محكان والبيتان اللذان بعده : عتلّون ، صخابوا العشى كأنهم * جداء من المعزى شديد يعارها إذا النجم وافى مغرب الشمس حاردت * مقاري عبيد واشتكى القدر جارها ( 3 ) البيت من قصيدة البعيث في النقائض ( 109 ، 125 ) .